علي بن محمد البغدادي الماوردي

77

النكت والعيون تفسير الماوردى

بعيدة ، وشطنت داره ، أي بعدت ، فسمي شيطانا ، إما لبعده عن الخير ، وإما لبعد مذهبه في الشر ، فعلى هذا النون أصلية . والقول الثاني : أنه مشتق من شاط يشيط ، أي هلك يهلك كما قال الشاعر : . . . * وقد يشيط على أرماحنا البطل « 109 » أي يهلك ، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة . والقول الفاصل : أنه فعلان من الشيط وهو الاحتراق ، كأنه سمّي بما يؤول إليه حاله . قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة . قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فيه خمسة أوجه : أحدها « * » : معناه أنه يحاربهم على استهزائهم ، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه ، كما قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وليس الجزاء اعتداء « 110 » ، قال عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا « 111 » والثاني : أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين . والثالث : أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا ، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة ، وكانوا فيه اغترار به ، صار كالاستهزاء [ بهم ] « * » .

--> ( 109 ) هذا عجز بيت للأعشى وصدره : قد نطعن العير من مكنون فائله والبيت في ديوانه : 134 . ( 110 ) وهذا الوجه وإن كان صحيحا فهناك ما هو أصوب منه فإن هذه الأفعال من اللّه تعالى التي ذكرها في كتابه كالمكر والكيد والاستهزاء والخداع على حقيقتها في بابها وهو نوعان قبيح وحسن ؛ فالقبيح مذموم والثاني حسن وإنما يفعل الرب منها الحسن الذي يحمد عليه عدلا منه وحكمة وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز إطلاق أسماء على اللّه تعالى من هذه الأفعال فإن باب الأفعال أوسع من باب الأسماء وقد أخطأ أقبح الخطأ من اشتق له من كل فعل اسما . ( 111 ) من معلقة عمرو الشهيرة . انظر : شرح المعلقات السبع لأبي بكر الأنباري ص 426 . ( * ) زيادة يقتضيها السياق .